من منكم يحبُ الأسماك ، ولا أشير الى ذلك النوع الذي يؤكل ، بل سمك الزينة ، بألوانه و بهرجته البديعة . ولا أنقص بذلك قدر النوع الأول ، فما أشهى حديثه غَداء الجمعة : )

 المهم حكايتي اليوم عن النوع الثاني ، ففي منزلنا حوض سمك لطيف ، تتنوع أشكالها وأحجامها من سمكة شائخة بيضاء ذات شوارب ، مرورًا بالزبّالة السوداء ، إلى البرتقالية الدّقيقة . وحدث ذلك اليوم أن فقدت تلك الأخيرة كلتا عينيها ، لا ندري الى الآن ما السبب ، ويُقال والله أعلم – ولا نفتري على إحدى السمكات – أن السمكة الزبالة قد التهمت عينيها !

فظلت تلك المسكينة ـ تسبح حائرةً وتائهةً في ظُلمة واحدة بلا عينين ولا بصر يقودها ، سوى عناية المولى بها ، منظرها تسيلُ له القلوب الرحيمة ، وكل من رآها يدعو الله اللطف بها ، ذات مرة زدنا لهم جرعة الطعام عن حاجتهم خطأً، وجاء اليوم التالي إذ بثلث السمك يطفو على الماء نافقًا ! ولازالت تلك البرتقالية حتى يومكُم هذا تُصارع الحياة .. ولله حكمته التي لا يعرف كنهها إلا أولي الألباب  .

فسبحان من جعل لكل امريءٍ في دُنياه  قائدٌ يقوده ، من يقين ، وعقيدة يؤمن بها . قرأتُ للرافعي في كتابه حديث القمر ما له في هذا الشأن .. يقول : ( وكما يستعبد الأعمى لعكازته لأنه يرى فيها عنصرًا من النظر ، والشيخ الهرم لعصاه لأنه يرى فيها عنصرًا من الشباب ، والطفل الصغير للعبته لأنه يرى فيها عُنصرًا من العقل ؛ كذلك يستعبد عاشق الجمال للجمال ، لأنه يرى فيه لروحه وقلبه نظرًا وشبابًا وجمالاً ) .

ويعلم العاقل أنه لن يجد أحق بالانقياد إليه والاستناد له إذا فقد البصر ، غير من خلقه وشقّ سمعهُ و بصرَه .