العمل الفني يعكس النظام الكوني ، دون أن يستفسر عنه *

يتناول المفكّر علي عزّت بيجوفيتش في فصلين من كتابه الإسلام بين الشرق والغرب عن ظاهرة الفن ، معناه وأبعاده .. لم أملك إلا أن انقله بتصرف هنا لاعجابي بهذا الزخم الفكري .

في مقارنته العلم بالفن يقول : العلم دقيق ، أما الفن فصادق ؛ انظر الى لوحة لوجه إنسان أو منظر طبيعي ، كم هما صادقان ! إن فيهما من الصدق أكثر مما في أي صورة فوتوغرافية للوجه ، أو للمنظر الطبيعي ، وكما تعلمنا أن الفن الأكاديمي الغير مخلص يصنع وجهًا ميتًا أو فردًا غفلاً ، من شخصية حية وحرة < وأعتقد شخصيًا بأن ذلك صحيح كون الصورة الفوتوغرافية لا تصور سوى لحظة ما ، حالة شعورية وانفعالية مؤقته .. فلا تظهر مدى صدق داخلنا في كل الأحوال الطبيعية ، بينما الرسم يستكشف ويسبر الأغوار في روح الشخص ويصوره كما هو بلا زيف في اللوحة .

وحول تطور الفن تعبيريًا : إن الفن بمعنى عن المعاني خارج عن الزمان وخارج عن التاريخ ، قد يكون له صعود أو هبوط ، لكن ليس له تطور ولا تاريخ بالمعنى العادي للمصطلح . ليس في الفن احتواء للمعرفة  أو الخبرة كما في العلم ، فمنذ العصر الحجري حتى اليوم لا نرى أي زيادة في القوة التعبيرية للفن تحققت عن طريق التطور ؛ فقد مارس بيكاسو الرسم فمرّ بمراحل فنّه التكعيبي ، والتكعيبية الجديدة والسريالي والواقعية الجديدة ، ومع ذلك لا نستطيع أن نتحدث عن تطور أو تحسّن أو تحول من كمال أقل إلى كمال أكثر .

 لا يوجد تطور في حياة الفن ولا تطور في حياة الفنان ، فكل فنان يبدأ من جديد كأنه لم يسبقه احد بإبداع أي شيء قبله ، إنه لا يستخدم خبرة أحد غيره ، بل خبرته الخاصة ، أما في العلم ، فإن خبرات الآخرين وتراكم الخبرة شرط أو افتراض سَابق ، إن خبرة الآخرين التي تُستخدم في الفن تعني التقليد والتكرار والأكاديمية ، أو بكلمة واحدة : موت الفن .وفي عبارة أخرى : الاكاديمية في الفن شانها كشأن النفاق والمظهرية في الدين .

الفن ليس معرفة.. إنما هو فهم ، ولكن فهم بالقلب والحب وبساطة الروح . كثير من الفلاحين عندما ينتهي عمله اليومي يأخذ قطعة من الخشب وينحت منها تمثالاً ، ولا يحتاج في ذلك الى عشرة أعوام من التعليم الأكاديمي لكي يتعلم هذا الفن ..كما أنه لا يُمكن وصف الرسم أو أسلوب الرسم بأنه صحيح أو مزيّف في حد ذاته ، لكن موقف الفنان تجاه العالم وتجاه عمله الفني هو الذي يجعله مزيّفًا .

*

.اللوحتان المرفقتان للفنان السريالي الخلاّق joan Mir  وأحب أن أنهي هذه التدوينة بقوله :

 How did I think up my drawings and my ideas for painting? Well I’d come home to my Paris studio in Rue Blomet at night, I’d go to bed, and sometimes I hadn’t any supper. I saw things, and I jotted them down in a notebook. I saw shapes on the ceiling..