تعجبت  أحد الأصدقاء سؤاله : ماذا يريد الرجل الفقير أكثر من أن يكون قادرًا على شراء جهاز بلاك بيري لطفله ذي العشر سنوات !

هل تعجبتم مثلي ؟ ..فبدلًا من توفير مسكن جيد ، تعليم جيد ، تغذية وصحة وما يحتاجونه فعليًا يتم تعويضهم جزئيًا بوسائل ترف رخيصة تُلطف قشرة الحياة : الهواتف الحديثة ، أجهزة الألعاب الإلكترونية ، سمك السلمون المعلب ، رقائق البطاطا الرخيصة ، حليب الاطفال المجفف ، الشوكولاته مخفضة السعر ، تفاعل بين المنتجين الذين يبحثون عن الأسواق ، والناس شبه الجائعة التي تبحث عن مُسكّنات تحقق لهم على الأقل مساواة من الأسفل ..وأكد لي صديقي آدم سميث ذلك  بقوله : عندما يمتلك الفقراء الثروة  يُصبح تفضيلهم ظاهرًا للأشياء التي يقوم بها الأغنياء . فإنهم يتوقفون عن الذهاب إلى بارات الرياضة – دعهم يرتادونها اولاً عندنا – ويبدؤوون في شراء تذاكر المقصورات الزجاجية المرتفعة وتذاكر الأوبرا . ويهجرون اتحاد البولينغ ويلعبون الغولف . بالنسبة لنا .. فإنهم يتوقفون  عن اختيار المدارس الحكومية لأطفالهم الى المدارس الخاصة . ولا توجد بدائل متعددة للأندية حتى يغيرونها وهذا موضوع آخر . تسابق الفقراء نحو الكماليات ومظاهر ترف الأغنياء .. إلى حد يقترب من العبادة  ما هو إلا خداع للعقل البشري .

 رأيت ذات مرة مُشغِّل الألعاب في مدينة الملاهي مرتديًا سماعات الأذنين ومتأنقًا بشكل لافت ، وهو أحد أفراد الطبقة العاملة ( البروليتاريا ) ! ماذا إذًا عن العاطلين عن العمل .. أي وسائل رفاهية أنفع لهم كـ مُسكن ؟

وبالتحول إلى البطالة فقد أوردت الصُحف مؤخرًا بأن عدد العاطلين عن العمل في العالم بلغ 200 مليون شخص .. وهؤلاء الأشخاص من ضمن البلدان التي وفرت معلوماتها لمكتب العمل الدولي وماخفيت من الأيدي العاطلة أكثر بالتأكيد ، وبغض النظر عن ضخامة الرقم ، ومشاعر الإحباط المصاحبة للخبر ،  ألبطالة ليست في صالح الشخص دائمًا ؟ يذكر ستيفن لاندسبيرج فيلسوف الإقتصاد أن البطالة أمر يتوق إليه الناس ، فالبقاء بلا عمل والاستمتاع بوقت الفراغ أو تحقيق كل ما يدور في مخيلتك هو أمر حسن بوجه عام ، لكن بمجرد وضعه تحت مسمى البطالة يتحول فجأة إلى نقيض ذلك !

إن البطالة على مستوى النظام الإقتصادي قد تكون علامة إما على تحسن الأحوال أو على ازديادها سوءًا ، والأمر نفسه ينطبق على مستوى الأفراد ، فمثلاً لو اختارت صديقتي العمل لمدة ثلاثين ساعة في الأسبوع ، واخترت أنا عشر ساعات في الأسبوع فقط وأنعم بالراحة في جوانب أخرى ، فمن يمكنه أن يجزم أيّنا اتخذت اكثر القرارين حكمة .. البطالة أو العمل البسيط هو قرار يخضع أحيانًا لإرادة الإنسان .

ومن ناحية أخرى فإن إعانات العاطلين الحكومية تُخبر بأعلى صوتها بأن هناك شيء يتم فعله من أجلهم في حين أنها تساهم بشكل ما في الحفاظ على هدوء العاطلين أو ربما إضافة كسل الى كسلهم ! فمع هذه الإعانات تصبح الحياة عادية تمامًا بالنسبة للعاطل ، يعيش بمعايير مُخفضة ولكن ليست بالضرورة الانقطاع عن وسائل الترف والتركيز على الضروريات بل على الأغلب العكس ..فيُذكر أنه قي عقد الكساد الإقتصادي الذي حصل في الثلاثينات  ازداد استهلاك كل سلع الترف الرخيصة ؛ وأعتقد أن السبب هو أنه في حالة الكساد الإقتصادي يزداد الأغنياء غنى والفقراء فقرًا وتتسع الهوة التي هي أحد ثمرات الرأسمالية ، ونتذكر ماتم قوله عن سعي الفقراء الى التشبه بأنماطهم الإستهلاكية . لا يتنازل عاطل عن كوب لذيذ من الشاي ، الاستمتاع بمشاهدة فيلم كوميدي أو مسرحية مُسلية ، وتستطيع الفتاة أن تبدو مثل فتيات المجلات بسعل قليل .كما تُدرك الشركات ذلك الأمر مثل شركات السيارات التي تقدم تصميمات مرفهه تناسب دخولهم.

سواء تغنى بها البعض أو رآها الآخر سُخف .. فالرفاهية وسعت الكل تقريبًا ظاهريًا ، وكل فرد له الحرية في تقرير ما يُنفقه من دخله على سلع تُشبع رغباته.. أو أن يتخلص من أشكال استمتاعه الزائف .