صورة

تُطلعنا الدراسات الإقتصادية إلى أن مقدرة السكان على التكاثر أعظم بكثير من قدرة الأراضي على إنتاج مقومات الحياة، وبحلول عام 2050م سيقدر عدد سكان الأرض بحوالي 9 مليون نسمة – حسب إحصائيات الأمم المتحدة – ، وكما هو معروف أن أحد المشكلات التي يناقشها علم الاقتصاد هو أن موارد الأرض محدودة. ولضمان تلبية الطلب العالمي و تأمين الغذاء للجميع اتخذ بعض المصنعون للأغذية شعار : العبرة بالكمية وليس الجودة ساعين بذلك لأهدافهم الربحية؛ فمع التوسع الكبير تنخفض الجودة، وقد تفقد العديد من المواد الغذائية قيمتها أثناء عملية الإنتاج ، لذا يتم إضافة المواد المُحسنة والمدعمة إليها مما يساعد على حفظها أطول مدة على أرفف البقالة كي لاتفسد وبالتالي تنخفض أسعارها وتصبح في متناول المستهلك ،السؤال .. هل أصبحت هذه المواد ضرورة حتمية؟ وهل يعطي هذا مسوغ للشركات المُصنعة بالتلاعب بأطعمتنا في تقنياتها وعملياتها الإنتاجية ؟

من جانب أنها حتمية أم لا، يجيب المختصون أنه لولا هذه المواد لما استطعنا تذوق الطعام ، فهي التي تعزز من النكهة وتحففظها مدة أطول طالما أنها مُستوردة وتحلق متنقلة بين القارات وعبر المضائق والجمارك ..فلا يخلو أي منتج غذائي منها ، سواء علب المربى وصلصة الطماطم ورقائق البطاطس ، من استخدام الدهون المشبعة ،شراب الذرة، السكر والملح المكرر، مكونات ضارة سيطرت بها الشركات المُصنعة على سوق الأطعمة للأسف، لكن طالما بقيت في النسب المسموح بها فلا حرج!

لا تفتأ التكنولوجيا الحيوية من ابتكار الجديد في هذا المجال ومنها ماقامت به إحدى الشركات بانتاج سمك السلمون المعدل وراثيًا، كونها تنمو أسرع مرتين من الطبيعية ، وتعود بالعوائد عليها متغافلة الأثار الصحية السلبية التي قد تنتج عنها على المدى الطويل، إضافةًأنها قد تتسبب بهلاك السلالات الطبيعية بكاملها، والأمرّ من ذلك ، إذا دخلت أسواقنا المحلية ، فلن يُمكننا التمييز بين الطبيعي والمزيف منها . فلن نسلم من تناولها بأية حال. هذه الشركة وكثيرغيرها تقوم بتسوية الصفقات بالملايين والانتاج الكبير بأي طرقة كانت وبوضع سياسات سعرية تنافسية فتجني الأرباح على حساب الحاجة البشرية للاستهلاك الغذائي، مايُفترض أن نسميه منتج غذائي ، أصبح منتج تجاري بحت..

قد يقول قائل إن تكثيف الإنتاج مهم من أجل الأمن الغذائي وتغطية كل هذا الإزدحام الهائل ؟ إن كان هناك ازدحام في فهو بأطماع هذه الشركات، والجشع الذي أعمى وطمس، فيما مضى كانت الحياة أبسط، كانت الجدات يقمن بنتف ريش الدجاج في المنزل ، فذبحه طازجاً ويتمتع الناس بمذاق غنيٍّ ونكهةٍ أطيب. أما الآن فيقضي الدجاج البياض عمره في الحاضنات وفي أوضاع بائسة وقد يحقن بالبروتينات النباتية والزُّبد لتطريته، السمك يتم استزراعه اصطناعيًا، الأبقار تحولت إلى مكائن للحلب في المزارع، بعيدًا عن حقيقة أن الحليب الجيد يعكس عن بقرة تُرعى في ظروف بيئية جيدة. والفاكهة التي أُتيحت لنا طوال السنة بفضل المبيدات..

لا أعني بذلك أني أرغب للعودة للأساليب التقليدية ، لكن هناك تنوع شديد في المنتجات في السوق، كل منتج يريد كسب قلب وجيب المستهلك ليقع فيه حيرة اختيار الأجود منه، وحتى لايقع ضحية لهذه الشركات ويحافظ على طعامه آمنا وصحيًا يلزمه أن يكون حذرًا في انتقاءه ، وهذا الوعي والضغط من قبل المستهلكين على الشركات ، سيدفع بها إلى إيجاد أساليب إنتاجية أكثر استدامة وآمنة لصحة الإنسان.

من الكتب المفيدة والتي تقدم معلومات مفصلة للتمييز بين الجيد والرديء من الأطعمة، المواسم الأفضل ،الأنواع الطازجة والعضوية وكل مايتعلق بالأسواق، هو ” الغذاء الذي نتناوله ” ( The food we Eat ) لـ جوانا بليتمان ، من إصدارات المجتمع الثقافي وترجمة فراس الجبوري . ومن الطرق الوقائية أيضًا تحري علامة الجودة على ملصق المنتج ، وقراءة المحتويات والقيم الغذائية، وعلى الأقل شراءالفاكهة والخضار من السوق المحلية.

ختامًا.. اِفحص، إقرأ، إعرف أكثر عن طبيعة ما يُنتج ، وكن واعيًا بما تستهلكه.