في هذا الوقت الحالي الذي تزداد فيه تنافسية السوق، تسعى الشركات للحفاظ على صورتها إيجابية قدر الإمكان للحصول على موقع استراتيجي لائق. إحدى الطرق لتحقيق صورة رائعة تخلب ألباب المستهلكين هي تطبيق استراتيجية التسويق الأخلاقية. في حين ان عدد كبير من الشركات ومُمارسي التسويق اعتمد هذه الاستراتيجية، إلا أن بعض النقاد يعتقدون أنها حيلة تسويقية. مع أن القضايا الأخلاقية نوقشت أدبيًا في وظائف مختلفة من التسويق مثل الابتكار، حقوق النسخ وأبحاث التسويق، هذا المقال يركز فقط  على حقوق الإنسان كموقف أخلاقي في سياق موسّع. إلى أي مدى ممكن أن تكون الممارسات الأخلاقية في التسويق صادقة وأصيلة، وإلى أي مدى يمكن أن يُنظر إليها على أنه غُسل أخضر أو حيلة ؟ هذا ما سأحاول مناقشته في هذه التدوينة.

بدايةً، واستنادا إلى الفلسفة الأخلاقية، الذي ينص على أنه من أجل تحديد السلوك الأخلاقي، فإنه يجب أن يطغى الخير على السيء محققًا توازنًا بالنسبة للبدائل المتاحة. إن التجارب الشخصية، ومعايير التنظيم، و معايير العمل، والمعايير الثقافية بالمجتمع تؤثر على التصور الأخلاقي لمدى كون هذه الحالة أخلاقية أو لا.  بالنّظر إلى أخلاقيات أرسطو، والتي لا تدور فقط حول تحديد ما هو الصواب والخطأ، بل فيما يعنيه أن الفضيلة هو الوسط مابين التبجح وبين تّصنع تلك الفضيلة.

ترتكز أهمية الأخلاقيات في التسويق في رسم الوجه الأخلاقي للشركة الذي تقدمه إلى المستهلكين والمساهمين المعنيين، مع ذلك، في حين أن مفهوم الأخلاقيات يساعد الشركات على الوصول إلى مرحلة التسويق المثالي، بما يضمن استحقاق وربح كلا  الطرفين، غالبا ما تتبنى الشركات بما يسمى الأنانية الأخلاقية من أجل تغطية أوجه قصورها. فهي إما أن تكون التزام اجتماعي، أو التزام لأصحاب المصلحة أو لمجرد حُسن نية. على الرغم من أن البحوث تبين أن 78٪ من المستهلكين يعتقدون أن الشركات يجب أن تتصرف بطريقة أخلاقية، مثل حملات إعادة التدوير، توجد مآخذ وانتقادات للدعايات الخضراء أنها غُسل أخضر! وقد أفاد تقرير بأن 74٪ من المستهلكين يجدون صعوبة في معرفة مدى أخلاقية الشركة (مينتيل، 2016). ولهذا، بعد دائرة لامُنتهية من الأكاذيب الخضراء الصغيرة، تساؤلات أخلاقية تشغل الذهن!

بالنظر إلى منتجات التجارة العادلة والتي تعد بتحسين حياة ودخل الأسر العاملة في الدول النامية ، وكما يظهر للعيان بأن الانضمام لرابطة التجارة العادلة تبدو مفيدة للمزارعين، فإن دراسة حديثة تناقض هذا. أحد العاملين بمزرعة موز الجمهورية الدومينيكية. يقول بأن المزارعين لديهم الكثير لإخباره عن  حقيقة عمل التجارة العادلة فعليًا.  كظروف العمل، والاختلافات في المعاملة بين المزارع الكبيرة والمزارع الصغيرة، تسبب نوعا من الظلم رغم أن التجارة العادلة من المفترض أن تضمن الإنصاف. وتبين النتائج أن العمال المؤقتين في المزارع الصغيرة لا يبدو أنهم يحصلون على أي استحقاق على الإطلاق (تروجر، 2014). ولهذا، يمكن أن تكون المنتجات الموسمة بشعار التجارة العادلة مشكوك فيها.  إن منتجات التجارة العادلة تستغل الفقر كهوية، تغلفه بعبوة جذابة ثم تبيعه إلى السوق. والسؤال الأساسي المطروح هو هل أن التجارة العادلة حافظت على وعدها بتعزيز حياة الفقراء. الجواب يبدو قد لايسُرّ!. على سبيل المثال، على الرغم من أن هناك ارتفاعا في استهلاك التجارة العادلة في البلدان المتقدمة قبل بضعة عقود، في الوقت نفسه فإن الأرباح التي يستلمها المنتجين في البلدان النامية ضعيفة!

في أوقات عدم اليقين، يبحث المستهلكين عمن يشاركهم في رؤية الأحداث والواقع. في الآونة الأخيرة، عدد من العلامات التجارية أبدوا تجاوبهم ومسؤوليتهم الاجتماعية مع عدد الحوادث السياسية والقرارات التي تلامس المجتمع. بصرف النظر عن شركات التكنولوجيا العملاقة التي أصدرت خطة داعمة للاجئين، بعد حظر الهجرة المثيرة للجدل من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. من ضمنها ماقدمته شركة AirBnb  من مساكن مجانية للمهاجرين! . بعيدًا عن الأحداث السياسية، في المملكة ، تأخذ القضايا الإجتماعية – خاصةً تلك التي تصل للترند وسائل التواصل الاجتماعي- منحىً مختلف بتلقيها دعمًا إنسانيًا من الشركات  قبل الأفراد، شجّع الشركات لاستغلال قصة العم معيض مثلًا تجاريًا بدعم الأطفال وذويهم بهدايا وعروض تسويقية! على الرغم أن هذه الاستجابات الأخلاقية والمعنوية لهذه الشركات تأكد بأن الشركة جزء من المجتمع وبأنها تفكر في الصورة الأكبر، إلا أن استخدام الموقف الأخلاقي كأداة تسويقية يجب استعماله بعناية ، حيث يمكن أن ينظر إليها كتعاطف كاذب، خاصة إذا لم يكن للشركة سجل جيد في المسؤولية المجتمعية. أو أن هناك ممارسات أخلاقية متناقضة لات ظهر للعامة، كالمعاملة السيئة للموظفين، وضعهم تحت بيئة عمل ضاغطة وغير مرنة، في حين الظهور للمستهلكين بأكمل وجه من الرعاية والترويج للحفاظ على البيئة ! علاوة على ذلك، يمكن وصف هذا التعاطف الإنساني من الشركات بما وصفه أحد الباحثين  ب”الأنانية الأخلاقية” مما يعني أن الشركات تحاول دائما الظهور بأفضل ممارساتها للجمهور.

تقع على عاتق الشركات مسؤولية تطوير وإنتاج وتعزيز منتجاتها أخلاقيا وضمن القانون، وإلا فإن أي مسائل غير أخلاقية يمكن أن تؤدي إلى عواقب سلبية بالطبع كالمقاطعة. وأحد الأمثلة على ذلك ما حصل لطيران يونايتد الأمريكية من خسائر فادحة بالبورصة تقدر 255 مليون دولار جراء سحبها لأحد الركاب بوحشية! إن من المهم  أن تبذل بعض الشركات جهودا فعلية للوفاء بالمعايير الدولية، من خلال تحسين ظروف العمل وأخلاقياته ورفع مستويات المعيشة المحلية، وأن تتماشى مواقفها المجتمعية مع معاييرها داخل المنظمة ، لا أن تُناقضها.

و للحديث بقية ..