بينما كنت أتسوق في إحدى السوبر ماركت، وتحديدًا ممر زبد المكسرات، وجدت زبدة ككاو تم الترويج على غلافها بأنها طبيعية، وعندما اتجهت للتأكد من المكونات، وجدت أن 70% منها هو زيت نباتي مهدرج، سكر ونسبة قليلة من الكاكاو! ما أنت وما أصلك؟ هذه التدوينة تطرح تساؤلاً حول مدى شفافية بعض الشركات في تسويق منتجاتهم.

مرورًا على مختلف الصناعات من التحويلية، الطبية، التجميلية والأغذية، تكمن أهداف ربحية تستظل تحت الالتزامات الأخلاقية والمسؤولية المجتمعية للشركة.  فعلى سبيل مسايرة رغبات المصنعين والشركات، فإن الإعلانات التلفزيونية التي انتشرت في التسعينات عن الترويج للكالسيوم في منتجات الألبان كانت ومازالت لأهداف تجارية لا غير. بالحديث عن الأغذية، نلحظ الكثير من المنتجات والتي قد كُتب عليها “غني بالبروتين” تماشيًا مع مروجي الحميات الغذائية المركزة على البروتين. إن النمو الملحوظ لسلاسل المطاعم ال Fast casual  والتي تعد مرتاديها بوجبات  طازجة  وأكثر طبيعية من مطاعم الوجبات السريعة التي شهدت انخفاضًا في الطلب عليها، ماهو إلا تماشيا مع الإتجاه السائد نحو اتباع نمط صحي. مُفردات مثل “عضوي” ، “طبيعي” أصبحت علامات فارقة ذات قدرة على اجتذاب شريحة معينة من المستهلكين.

هناك العديد من الأمثلة والأدلة التي تثبت إدانة بعض الشركات في تضليل المستهلكين. LUSH المعروفة بصناعة الصابون ومستحضرات العناية الطبيعية، بالرغم من وضوح سياستها الأخلاقية في منتجاتها من سلسلة القيمة حتى تصل للمستهلك النهائي، إلا أنها وقعت في وصمة الـ green washing. الصورة أدناه توضح استخدام لاش مركب كيميائي خطير وهو  SLS، بالرغم من ادعاءها أن منتجاتها 100% طبيعية. ويطرح السؤال هنا حول أهمية معنى الشفافية في ترويج العلامة التجارية. لكي أكون منصفة، فقد أعجبني اتخاذ لاش قرار وقف استخدام الميكا في المنتجات، ويرجع ذلك لظهور محاذير حول وجود عمالة من الأطفال في الهند يعملون في حرفة التنقيب. لذا جاء هذا القرار في صالح عملية التوريد المسؤولة. مثال آخر يتضح من خلال شركات المياه، الكثير منها يطبع على القوارير البسلاستيكية، مياه طبيعية ، نقية. مع رسومات لشلالات أو بحيرات توحي بالطبيعة والانتعاش، محاولةً خلق تصور لدى المستهلك بأن هذا المنتج صديق للبيئة. كيف لا وهو معبأ في قناني بلاستيكية! تفاصيل وعبارات منمقة كفيلة بان تجعل الفرد يغفل عن أمور أهم بكثير تلامس سلامته والبيئة من حوله.

إن اهتمامات و أولويات الناس تختلف وتتغير تبعًا للمواسم والتطور في الأذواق والوعي وما هو رائج وسائد في العقل الجمعي. حول العالم هناك اتجاهات مختلفة نحو تفضيل منتج عضوي وطبيعي من سواه. أشارت دراسة أن الصينين يفضلون استهلاك المنتجات ذات معايير السلامة العالية، في حين أن المستهلكين في جنوب أفريقيا يتحيزون نحو تلك الشركات التي تدعم برامج الصحة والرعاية الطبية. الوضع يختلف في الدول المتقدمة، حيث قيمة الإنسان عالية، يفضل المستهلكين من أمريكا وسويسرا المعاملة العادلة للموظفين. من ناحية أخرى، ترتفع قيمة الاسهامات الخيرية والعطاء لدى المستهلكين في تركيا.  وفي ظني أن الأمر مشابه في المملكة، حيث نلاحظ اتجاه الشركات لدعم الجمعيات الخيرية ودعم المنتج الوطني وانخراطها في أنشطة التدوير وتقليل النفايات. في دراسة نشرت في العقد الماضي 2005، صنفت المستهلكين في الشرق الأوسط من ضمنهم المستهلكين السعوديين إلى ثلاث مجموعات: ذوو المبادئ، المُشكّكُون والفاسدون. المستهلكون ذو المبادئ، نسبتهم تصل الى 39% من شريحة المستهلكين، هم أكثر مثالية و ثقة بالآخرين. المُشكّكون، أهم اكثر حذرًا في تعاملاتهم الشرائية ومع الآخرين. بينما الفاسدون لا يلقون اهتمامًا بتلك المعايير الأخلاقية. فإذا حصل خطأ أخلاقي ما فآخر همهم هو التبليغ عن هذا الخطأ للجهات المعنية. في دراسة أخرى نشرت عام 2012 ، سلطت الضوء على تحديات وفرص التسويق الأخضر في المملكة، وضحت أن الوعي المتزايد لدى المستهلكين السعوديين ساهم بالضغط على الشركات وإتاحة الفرصة لتغيير عدد من سياسات التغليف، على سبيل المثال، لتتوافق مع المعايير البيئية. إلا أنه لا توجد دراسة علمية عن اتجاهات المستهلكين السعوديين نحو المنتجات ذات السمة الأخلاقية.

ختامًا، القيمة الأخلاقية المُدركة لشركة ما لا تعتمد فقط على مساعي هذه الشركة وسياساتها الاستدامية، بل تعتمد على المعايير الاجتماعية و الثقافية والوعي العام  وانعكاسه على القضايا الأخلاقية. كل ما يتمّ وسمه على المنتج من صفات ذات صدى رنان، قد لا يعكس حقيقته الفعلية. يأتي هنا دور المستهلك الواعي بالتبليغ، الرقابة، والحملات التوعوية بتسليط الضوء على تلك المفردات التسويقية.

lush_