عند النظر في خط الزمن وتطور الفن بالمملكة، نجد أن أول ظهور للاستديوهات الفنية بالمملكة كان في بداية الخمسينات تزامنًا مع تأسيس المدارس والتعليم. في عام 1967 نشأت الجمعيات الثقافية الفنية والتي نظمت العديد من المعارض واحتوت الفنانين المحليين. بالمنحى التربوي، تم ادخال تدريس التربية الفنية للمدارس عام 1973 على شكل نشاط لاصفّي. وفي عام 1977 أدخلت رسميًا وكانت تُسمى قديمًا الرسم والأشغال. في ذلك الوقت تم ابتعاث العديد من المعلمين لدراسة الفنون لأوروبا وعلى أيديهم تم صياغة الحركة التشكيلية الفنية بالمملكة .

اليوم يبدو المشهد الفني في غاية الذروة وإن لم يصل إلى مرحلة النضوج بعد. إن الفن ليس دخيلًا على مجتمعنا بل هو أحد مقوماته وركائزه منذ سنوات، إلا أن ما حصل من تقليل حجمه وفصله التعسفي عن حياتنا اليومية، ما هو إلا تبديل للفطرة. فقد كانت هناك بعض العوامل السلبية التي حطّت من قدره واولويته في المجتمع منها عوامل في الفكر التربوي مثل تقسيم المواد إلى أساسية وثانوية، وعوامل ثقافية مثل النظرة الدونية للفن والتي يتطرق لها علم الأنثروبولوجي بالتحليل والدراسة.  لقد وجد “باديلا” أن الكتاكيت التي تُحرم من التقاط الحبوب -فطرة في هذه الكائنات الصغيرة- لمدة تزيد عن ثمانية أيام تفشل في التقاط الحب بعد ذلك، واستنتج باديلا أن الاستجابة الفطرية قد تزول عندما يُمنع الفرد من ممارسة الشيء ومعايشته. لذا لا نستغرب بعض ردود الفعل السلبية تجاه المناسبات الفنية التشكيلية والغنائية كما هو واضح في ما فعله بعض المشاغبين من تخريب لوحات فنانات في معرض مفتوح بحائل. إن طبيعة هذا المجتمع تُحتم عليه عدم تقبّل التغيير إلا بأمر سامي؛ وذلك لمدى الثقة التي يوليها الجمهور لحاكمه.، بالرغم من أن تغيير الوعي الجمعي يستغرق وقتّا أطول. هذا الأمر يأخذنا للنظر في السياسة الثقافية الجديدة للدولة والمتمثلة في دعمها للأنشطة الثقافية والفنية وتمويلها إياها من خلال خطة استراتيجية محكمة ضمن أحد محاور الرؤية الجديدة الذي ينص على إسعاد الإفراد وخلق مجتمع حيوي. يساعد وجود هذه السياسة الثقافية بتقليل التنافر المعرفي الذي كنا نعيشه في الماضي بسبب تحريم بعض أنواع الفنون من جهة وترويجها من قبل بعض الجهات من ناحية أخرى.

إن هذه السياسة الثقافية تلعب دور اليد الخفية في المجتمع بالضبط كالتي اسماها “أدم سميث” في كتابه ثروة الأمم. تراكمات الأنشطة والفعالية الفنية والثقافية تزيل الترسبات عن الوعي الجمعي وتجعل الأفراد أكثر تقبلّا لاستهلاك هذا النوع من التجارب الفنية. في صورة كنت أرمقها لإحدى الفعاليات الصغيرة المقامة  في جدة بتنظيم من أرباب الحِرف، يلحظ الرائي مدى تعطش الناس الكبير للفن، توثيقهم للحظة ونشرها عبر حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي لهو أمر مبهج، وبتأييد السياسة الثقافية الجديدة بدأ سوق الفن بالنهوض والانتعاش وبدأ الطلب بازدياد وتذاكر حفلة الموسيقار العالمي “ياني” القريبة  قاربت على النفاذ.  

لكن لماذا التوجه نحو هذا الاستثمار الآن وليس في السابق. من وجه نظري هناك العديد من الظروف التي شجعت على ذلك. أولاً، هناك قاعدة في علم الاقتصاد مَفادُها أن المستهلك يصبح أكثر قابلية على الانفاق على الكماليات والأنشطة الترفيهية في أوقات الركود الاقتصادي، ليس لأنه حزين فحسب بل إن السوق في هذا الوقت غير جاذب لأن يستثمر في العقار مثلًا. فمع الركود المصاحب لنزول أسعار النفط في الفترة السابقة. جاءت هيئة الترفيه في الوقت المناسب لتمارس دورها. ولهذا يعد الترفيه المدخل الحقيقي لزيادة الدخل القومي وبناء صورة تسويقية جاذبة للدولة. مما يؤكد ذلك، الإحصاءات الأخيرة التي نشرتها وزارة المالية عن زيادة الإيرادات الغير نفطية بمقدار 80% عن العام الماضي. بالتأكيد أن جزء من هذا الارتفاع كان سببه الإصلاحات الاقتصادية لكن لا يخفى الأثر الإيجابي للترفيه والفنون. إن الجهود المبذولة لتحسين صورة دولة ما وتسويقها بالشكل الصحيح يعزز من فرص التنمية الاقتصادية والثروة الوطنية. أسكوتلندا إحدى الأمثلة على الدول التي استطاعت تحديث صورتها العامة لدى المملكة المتحدة وأوروبا من خلال الاحتفالات الفنية، كـ   Edinburgh Hogmanay والذي يعد من أضخم الاحتفالات العالمية في موسم الشتاء، إضافةً إلى الفرق الشعبية الموسيقية والدراما والأدب. أدارت سكوتلاند بذكاء صناعة هذه الهوية الجديدة والتي لا تختلف عن تاريخها كثيرًا إلا أنها عززت صورتها أمام أعين العالم بدمجها التراثي والعصري سويةً. الأمر الآخر، يعد الاستثمار في الفن إيجابي لفك التضخم. ما فعلته إمارة أبوظبي بنقل نسخة من متحف اللوفر إلى أراضيها ما هو إلا استثمار من نوع فاخر. تعزز وجود قطع فنية ثمينة من أصول الدولة كما تسهم في إيجاد عوائد جيدة جراء التضخم.

إضافةً إلى ما سبق، إن وجود الفعاليات الفنية وخصوصًا المعارض التي تعد نافذة تعكس قيم المجتمع، قضاياه وهمومه وتطوره يساهم في تعزيز الشعور بالهوية الوطنية للفرد، لأنه من خلال الفن يرى أن أفكاره قد تم طرحها وصياغتها ومناقشتها من خلال لوحة فنية أو فن معاصر تعدى حدود اللوحة. الأُغنية على سبيل المثال كما يصفها “د. سعيد توفيق” في كتابه عالمية الفن بأنها أكثر الفنون قُدرة على التعبير عن روح أمة أو شعب؛ لأن الأغنية هي الفن الذي تكمن في ماهيته اللغة. لذا يعد الاستثمار في الفنون من أجدى السُّبل في تعزيز الانتماء والوطنية. مما يؤكد ذلك العديد من البحوث المنشورة والتي تُفضي إلى أن المتاحف والمعارض الفنية  ماهي إلا صورة انعكاسية للمجتمع وأداة لتشكيل هويته.  

إن وجود مظلة داعمة للفنون في المملكة يسهم في محو الأمية البصرية، وتعليم الناس ابصار الجمال في الأشياء من خلال الفن، كما يسهم في تربية السلوك الجمالي للنشء وتكوين ثقافة فنية بين الأصالة والمعاصرة.