نفوسنا الممتدة على شكل منتجات

قيل قديمًا أنت ماتأكله، لكن من نظرة أخصائية تسويقية أستطيع القول أنت ماتستهلكه بالاجمال سواء كان منتجات  غذائية أو كمالية، ‏هل حصل ذات مرة أن ارتدت مكانًا شعرت بأنه يُشبهك؟ الشعور بالانتماء إلى أسلوب حياة يشبهني، تجربة احتساء للقهوة في مكتبة تضج بالكتب والفن على سبيل المثال، يخلق امتداد للنفس أطلق عليها الباحثون Extended-self  ، في علم النفس التسويقي، مبدأSelf-  extension  يفسر أن المنتجات التي نقتنيها والتجارب التي نمارسها هي امتداد لصورتنا أو انعكاس لأنفسنا أن تشعر أن هذا المنتج، الخدمة أو التجربة التي تفاعلت معها هي ليست جزء منك فحسب بل امتداد لنفسك لعالمك وأسلوبك في الحياة.

 لا تتضمن النفس الممتدة هذه المنتجات الملموسة التي نقتنيها فحسب، بل مساحاتنا الشخصية كأريكة نحب الاستلقاء عليها أمام ركن للقهوة، أماكن ومدن ننتمي لها، اختيارنا لغلاف الهدية لمن نحبهم، علاقات وأشخاص ليسوا فقط في عالمنا فحسب بل قد يكونوا شخصيات كرتونية، أبطال وقادة نحتذي بهم، أو أيقونة اموجي نُحبه. لكن يبادر إلى ذهني هذا السؤال: هل هذا المنتج هو الذي شكلنا؟ أم ما نحن عليه من سمات وخصائص دعتنا لحيازة منتج بعينه عما سواه؟

العديد من المنتجات التي اقتنيناها، الألعاب القصص التي قرأناها والمسلسلات الكرتونية التي شاهدناها ونحن صغارًا قد ساهمت بشكل ما بتشكيلنا إما سلبًا أو إيجابًا. في دراسة استغرقت 15 سنة لترى نتائجها النور، أشارت إلى أن الأطفال الذي يشاهدون برامج عنف وقتل هم أدعى لأن يكونوا أكثر عدوانية من أقرانهم الذين لم يتابعوا ذات البرامج. إن التلفاز في السابق كان أحد المؤثرات الموجهة للتأثير في التربية السوية للطفل، وكما هو الحال فقد تطور الأمر الآن لتصبح تطبيقات الإنترنت من يوتيوب وسنابشات تلفازًا أخر بصبغة جديدة. في دراسة تحليلية للمخاطر العقدية في برامج الأطفال العربية، وضح الباحث زعفان أن برامج مثل توم وجيري والذي يحظى بمشاهدة 90% من الأطفال يغرس مفهوم المكر والخداع والأذية للآخرين بخلاف الفطرة الطبيعية التي تستحث المحبّة والصداقة. كذلك شوهت بعض البرامج الكرتونية الحديثة مفهوم العلوم والمعرفة لاستخدمها لأغراض إلحاق الأذى بالآخرين والسيطرة على العالم مثل بينكي وبرين، على عكس البرامج اليابانية القديمة مثل عبقور وكعبول الذين استثمروا عبقريتهم في نفع الآخرين. كذلك تصوّر بعض المسلسلات الكرتونية قيمة الصداقة والإخاء بشكل جميل وفطري. ينطبق هذا على تشكيل هوية المستهلكين الأصغر عمرًا. لكن ماذا عن البالغين؟ لايخفى أن قنوات التواصل الاجتماعي بما فيها من شخصيات مؤثرة أمست أيضًا تساهم في رسم صورة النفس الممتدة! 

عطفًا على ماسبق، نستطيع التأكيد على صحة القول أنت ماتستهلكه، لكن بالنظر لمبدأ النفس الممتدة، فإن رصيد تجاربنا المتراكمة مع الاستهلاك بوعي أو بدون وعي يشكل نفوسنا الممتدة وصورنا التي نرغب أن يرانا عليها الآخرون بما نختاره من منتجات لعلامات تجارية مختلفة. تشير الدراسات السلوكية والاجتماعية إلى أن الأشخاص الأكثر حساسية تجاه صورتهم الشخصية في أعين الآخرين تتجلى تصرفاتهم حيال ردة أفعالهم تجاه المثيرات التسويقية ومايقررون استهلاكه. مما يجعل توقعات الآخرين تحظى الكثير من اهتمامهم فيما يملكونه. هؤلاء الأشخاص يصبحون مستهدفين أكثر من قبل الإعلانات ذات الطابع المركز على الصورة image-oriented ads. في أول ظهور لها في الخمسينات كانت الدمية باربي شيئًا غير متعارف ومعتاد عليه من قبل الأهالي، بالأخص كونها تملك جسم فتاة ناضجة وبثديين بارزين. لم تحصل باربي على الرواج المطلوب، ففكرت الشركة بإعلان تسويقي يصور باربي كعروسة بفستان وطرحة بيضاء كُحلم يتلاءم مع أحلام الفتيات في ذلك الوقت. هذا الإعلان ساهم بزيادة لمبيعات الشركة لأنه لامس أحلام الفتيات الصغيرات، ووجدت فيها الامهات تحفيزًا لطفلتها لتحذو حذو باربي في الأناقة وتسقي أحلامها في يومها الكبير الذي سترتدي فيه الفستان الأبيض.

هي دائرة نغرق أنفسنا بها، نشتري منتجًا يشبهنا، ثم يضيف هذا المنتج إلينا قيمة تقابل مانملكه نسميه بالمنفعة الحدية، ثم ماتلبث أن تزيد رغبتنا بشراء سلعة أخرى تشابهه لكي نستعيد ذلك الشعور مجددًا ! وهكذا تساهم المنتجات بشكل غير واعي احيانًا بتشكيل هويتنا. وإن كان من المفترض أن يكون صنع الهوية على وعي،  فلما لا نستظل بنفوسنا الممتدة في غمار الحياة، إن كانت تساهم في منحنا  بشعور جيد وسعيد على الأقل.