دائمًا ما نسمع بين الحين والآخر عن ظهور عدد من التوجهات في السوق تحمل اسم ” ترند” توجه أو تيار ما. صانع التوجه هو الشخص الذي يبدأ بهذه الحركة، سواء في صناعة الأزياء، الأغذية، الموسيقى  ,والترفيه أو أسلوب الحياة الاجتماعي.

بداية أي توجه قد تتخذ عدة مناحي؛ منها سُفلي أي من أفراد المجتمع مصادفةً، وقد تكون فئة محددة من المختصين في مجال معين هم نقطة الانطلاق لتوجه جديد مثل مصممي دور الأزياء الشهيرة، أو قد تبدأ بسبب زيادة الوعي حول قضية معينة أو ظهور دراسات جديدة حولها وتسليط الضوء عليها. كذلك بداية الصيحة قد تتخذ منحى علوي؛ أي أن الشركات في مجال صناعة ما هم من يقومون بإعلان مدفوع لنشر هذه الصيحة، باستخدام النماذج من أفراد المجتمع أو المشاهير Celebrities endorsement. جماعات التأثير هذه لديها القدرة الفائقة على خلق صيحة جديدة ودفع الناس لاتخاذ قرارات شراء عمياء. ونحن كمستهلكين غالبًا مانقيم أفكارنا واتجاهاتنا، قيمنا وأنماط سلوكنا الشرائي بمقياس وضعته جماعات التأثير، أو النّخب إن صح التعبير.

السؤال الذي نطرحه هنا هو عن ثقافة النخبة، ولا اقصد بها نخبة المثقفين والذين يهتمون وينشغلون بالهمّ الثقافي، بل هم النخبة التي تجعل من أنفسها أوصياء. سواء من مؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي، إعلاميين والذين يوجهون خطاباتهم ومحتواهم نحو العامة من الناس، في محاولة من أجل حدثنة وعي الجمهور أو دفعهم لاتخاذ سلوك شرائي معين، وخلق المزيد من السُّعار الإستهلاكي. هل لهؤلاء النخبة الحق في أن يكونوا أوصياء على الملأ، وتوجيه الناس فيما يأكلون ويشربون ومايكنزون في بيوتهم؟

 الذي يجعل الوصاية الاستهلاكية تفرض نفسها هو ذات السبب الذي جعل العديد من الوصاة الأخلاقيين والمرجعيات يدلون بدلوهم، يجد المستهلك أو المتلقي ضالته في توصيات هؤلاء النخبة ربما لقربهم من الواقع وتلمسهم لحاجاته، أو قدرتهم على التكيف مع المتغيرات التي تجري في السوق أولًا بأول. كذلك النزعة البشرية نحو اتخاذ قدوة او مثل اعلى يعطي هؤلاء تأثير فعال. ظهور فقاعة جديدة في السوق قد يلقى اهتمامًا وتناغمًا مع حاجات الأفراد سواء علموا بها أو كانت حاجات كامنة في اللاوعي.  لكن رغم هذا كله، المقاييس التي تضعها هذه الجماعات المؤثرة قد تشكل ضغط وألم على المستهلكين والجمهور. في اعتقادي أن في الحياة مُتسع وخيارات وبدائل كثيرة على المستهلك ألا يحصر نفسه في مقاييس تم تصميمها لأغراض مبهمة أو حتى يستعير ذائقة غيره.

 غالبًا مايختبأ خلف سيادة تيار ثقافي أو أيدلوجية معينة أشبه بقائد ذي دوافع اجتماعية  أو قد تكون تسويقية يلقي كلماته للجمهورالذي هو مناط هذا الخطاب والتغيير. ولاننسى قصة انتشار لون الخمار الأسود الذي كان بسبب شعر غزل أنشده أحد الباعة في العصر الأموي.

إضافةّ لذلك، للتغييرات الاجتماعية الثقافية الثقافية النصيب في دفع اتجاهات وتيارات جديدة وظهور موضة جديدة على السطح، فـ لثاني مرة في التاريخ منذ عشرينيات القرن الماضي، ازداد عدد المزارعين الذين بعمر 35 سنة وأقل بمقدار  20% ، في حين كانت أعمار المزارعين في الغالب في عقودهم الأربعين والخمسين وأعلى. السبب الذي جعل عدد متنامي من الموظفين يغادرون العمل المكتبي ويتجهون للمزارع كان نتيجة لانتشار ثقافة الطعام العضوي والذي قُطف طازجًا للتوّ.

ليس من المفاجئ أن مناخ الاقتصاد العالمي له يد في خلق الصيحة الجديدة. لو نظرنا لهذا بدقة، نرى أنه عندما ينكمش الاقتصاد يضحي الكثير من المستهلكين برغباتهم مقابل الإدخار. وفي هذه الأوقات الصعبة يصبح تركيز المستهلك أكثر على القطع الكلاسيكية أو timeless piece  اكثر من الصرعات قصيرة المدى. الخبير الاقتصادي جورج تايلور أول من لاحظ العلاقة بين الاقتصاد والموضة وبينها في نظرية هيملاين Hemline. عند انتعاش الإقتصاد في عام ١٩٢٠م لاحظ أن الملابس السفلية للنساء أصبحت أقصر وذلك للكشف عن جورابهم الحريرية الفاخرة. لكن حينما انكمش الاقتصاد أصبحت التنانير الطويلة هي الغالبة. على النّقيض من ذلك، مدى ارتفاع كعب الأحذية للسيدات، يعطي لمحة كذلك عن الوضع الاقتصادي. تريفر ديفس، خبير منتجات المستهلك وضح في تقرير له أن في أوقات الركود ، مبيعات الأحذية ذات الكعوب العالية ترتفع، والاتجاه للموضة اللامعة، كإشارة للهروب والخيال. أعلى ارتفاع للكعوب كان 7 انش في عام 2007م تزامنًا مع الأزمة المالية العالمية في ذروتها.

للترند أو الصيحة دورة حياة لامنتهية ما إن تلبث على النفاذ حتى تسطع مرة أخرى في بعض الأحيان. ( يوجد واي فاي ) عبارة تسويقية كثيرًا ماجذبت المرتادين للمحلات، المقاهي، الفنادق، وصالونات التجميل. لكنها مالبثت إلى أن فقدت وهجها، وحل محلها ( WiFi off zone ) أو منطقة خالية من الشبكة لمزيد من الاسترخاء والانفصال عن العالم الافتراضي خاصة في المنتجعات الصحية. وفي عبارة تسويقية أخرى استخدم أحد مُصنعي القرطاسية عبارة  online was yesterday  تأييدًا على اسم علامته التجارية ومعناها offline  وإشارةً لأهمية العودة لملامسة الورق والتدوين واستخدام المنظمات الشخصية الورقية. هذه الظاهرة التي تتكرر غالبًا في السوق تُدعى ب Role reversal  أو عكس الدور،.

عند إلقاء نظرة على السوق السعودي، تطلعنا التقارير أن سلسلة مخابز المعجنات والدونت تملك الحصة الأكبر في سوق الوجبات السريعة، كان أول ظهور لمتاجر الدونت في السوق السعودي منذ منتصف الثمانينات تقريبًا واستمر رواجها بشكل ثابت، إن لم يقل الطلب عليها في الآونة الاخيرة. الآن مع وجود توجه جديد في سوق الدونت المختصة بنكهات وإضافات لاتحصى مثل ediable flowers doughnut   فمن المتوقع أن تلقى رواجًا شديدًا.  نفس الصورة بالنسبة لسوق القهوة، حيث يعد الأسرع نموًا في سوق المملكة بمقدار 18% وبالذات مع رواج المقاهي المختصة.

ختامًا بالنسبة لرواد الأعمال، تحقيق الأرباح من خلال توجهات السوق الجديدة طويلة المدى يمكن اعتباره أقصر سبيل لنجاح المستثمرين. التحدي هو التعرف وملاحظة متى بدأ هذا الإتجاه، وتحديد الوقت المناسب لدخول السوق أو الخروج منه. هذه التوجهات تخلق فرص جديدة للاستمثار في سوق معين. لذلك، من المهم على الشركات تطوير صياغة نموذج العمل، بما يتناسب مع توجهات السوق الجديدة والعمل على تقديم عروض توافقها لتحقيق أكبر قدر من القيمة.